أفريكا، أو إفريقيا الرومانية، أو إفريقيا البروقنصليّة مقاطعة رومانيّة كانت تشمل مناطق نفوذ إمبراطورية قرطاج بشكل أساسي على الشق الشرقي لساحل المغرب العربي. بإسقاط هذه المنطقة على الحدود السياسية الحالية، توازي هذه المنطقة الساحل الممتد من خليج سرت شرقًا وصولاً إلى قسنطينة غرباً، بما يشمل ساحل ليبيا الغربي ومعظم مناطق تونس وشمال شرق الجزائر. في فترةٍ تاريخيّةٍ لاحقةٍ حرّف العرب الاسم ليصبح «إفريقية» أو «إفريقيا» ثمّ أعطت المنطقة اسمها إلى القارّة بأكملها.
تأسست المقاطعة في العام 146 ق. م. عقب هزيمة قرطاجة في الحرب البونيقية الثالثة. كانت المنطقة في الأصل مأهولةً من قبل البربر، والمعروفين في اللاتينية أصلاً باسم موري في شمالي إفريقيا وغربي مصر بأسره. في القرن التاسع قبل الميلاد بنى الفينيقيون مستوطناتٍ على طول البحر الأبيض المتوسط لتسهيل الشحن والتجارة، وبرزت قرطاج من بينها في القرن الثامن قبل الميلاد إلى حين غزوها من قبل الرومان.
أطلق الرومان على مقاطعة «أفريكا» لقب «مطمور روما» نظراً لما كانت توفره لروما من إمداداتٍ غذائيةٍ ومحاصيلَ زراعيةٍ. كانت واحدةً من أغنى المقاطعات، وتأتي اقتصادياً في المرتبة الثانية بعد إيطاليا في الجزء الغربي من الإمبراطورية الرومانية. وبغضِّ النظر عن مدينة «قرطاجة» فقد كانت المستوطنات الكبيرة الأخرى في المقاطعة هي حضرومِتوم (باللاتينية: Hadrumetum) (مدينة «سوسة» الحالية في تونس) عاصمة منطقة «بيزاسينا» (باللاتينية: Byzacena)، و«هيبو رِجيوس» (باللاتينية: Hippo Regius) (مدينة «عنابة» الحالية في الجزائر).
حسب كتاب «معجم تانيت» (معجم في الحضارة الليبية-الفينيقية في شمال إفريقيا وحوض المتوسط)، فإن هذا الإقليم كان أحد أربعة أقاليم كبرى تضمها الإمبراطورية الرومانية في القارة السمراء، وكانت تونس وطرابلس المنطقتين الأكثر كثافة بالسكان في هذا الإقليم، منهم حوالي مئتي ألف روماني، وكان أربعون في المائة من الناطقين باللاتينية في العالم يقيمون في هذه المقاطعة، ولم يتغير الوضع السياسي لهذا الإقليم إلا مع بداية الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا.
ويذكر موقع «أطلس البحر المتوسط» للمعلومات التاريخية أن اسم قارة إفريقيا اشتق من اسم قبيلةٍ تدعى (أفري)، والتي كانت تقطن قرب منطقة قرطاجة في العصور القديمة، وكان الرومان يطلقون اسم «إفريقيا» للدلالة على المنطقة التي تعرف اليوم بتونس.
مع سقوط قرطاجة استولى الرومان على الجزء الشمالي من تونس الحالية، ودعوها «إفريقيا القنصلية»، وتعني أن المقاطعة كانت تدار من قبل قنصلٍ رومانيٍّ، وبما أن قرطاجة كانت دُمّرت عن آخرها [من قبل الرومان] فقد قاموا باختيار مدينةٍ فينيقيةٍ كبيرةٍ أخرى كعاصمةٍ لـ«إفريقيا القنصلية»، وقام الإمبراطور «تيبريوس» بإضافة طرابلس (في ليبيا حالياً).
أنشأت «الجمهورية الرومانية» أول مقاطعةٍ في شمالي إفريقيا في العام 146 ق. م. بعد القضاء على قرطاجة على يد "سكيبيو إيميليانوس" في الحرب البونيقية الثالثة. كان يحكم "إفريقيا البروقنصلية" "(باللاتينية: Africa Proconsularis) -أو "إفريقيا القديمة"- حاكمٌ «بروقنصل» (باللاتينية: proconsul). من الممكن أن يكون اسم "إفريقيا" قد اشتق من الكلمة البربرية "afer"، أو "ifri"، أو "Aourigha" والتي كان من الممكن أن يُنطق اسمها Afarika (هكذا مع شيءٍ من التحول)، والتي كانت تشير إلى قبيلة.
جرت تهيئة «يوتيكا» التي وقفت إلى جانب الرومان في الحرب لتكون العاصمة الإدارية، وتُركت الأراضي المتبقية تحت سلطة العميل الأمازيغي النوميدي «ماسينيسا». في هذا الوقت كانت السياسة الرومانية في إفريقيا تتلخص -ببساطةٍ- في منع أي قوةٍ عظمى أخرى من البروز في شمال غربي إفريقيا.
في العام 118 ق. م. حاول الأمير النوميدي «يوغرطة» إعادة توحيد الممالك الأصغر. ومع ذلك فبعد وفاته [على يد الرومان] جرى ضمّ الكثير من أراضي «يوغرطة» إلى سيادة الملك الأمازيغي الموريطاني العميل «بوخوس الأول»، وبحلول ذلك الوقت كانت الكتابة بالحروف اللاتينية متجذّرةً بقوةٍ في إفريقيا. في العام 27 ق. م وعندما تحولت «الجمهورية الرومانية» إلى إمبراطوريةٍ بدأت مقاطعة إفريقيا تاريخ احتلالها من قبل الإمبراطورية تحت الحكم الروماني.
جرى تنفيذ العديد من الإصلاحات السياسية والإقليمية من قبل الإمبراطور أغسطس، ثم كاليجولا في وقتٍ لاحقٍ، لكن كلوديوس أنهى التقسيمات الإقليمية في المقاطعات الرومانية الرسمية. كانت إفريقيا مقاطعةً تابعةً لمجلس الشيوخ، وبعد إصلاحات دقلديانوس الإدارية جرى تقسيمها إلى «إفريقيا زوغيتانا» (باللاتينية: Zeugitana) في الشمال (التي احتفظت باسم «إفريقيا البروقنصلية»، وكان يحكمها «بروقنصل»)، والثانية «إفريقيا بيزاسينا» إلى الجنوب منها والمتاخمة لها (وتقابل شرق تونس)، و«إفريقيا طرابلس» إلى الجنوب المتاخم لها (وتقابل جنوب تونس وشمال غربي ليبيا)، وجميعها كانت جزءاً من «مقاطعة إفريقيا» (باللاتينية: Dioecesis Africae). إن إفريقيا القديمة (باللاتينية: Africa Vetus)، والتي تشمل عموماً المناطق المذكورة آنفاً كانت تُعرف أيضاً من قبل الرومان (حسب المؤرخ «بليني») باسم «إفريقيا بروبريا»،
والتي كانت قرطاجة عاصمتها.
بقيت المنطقة جزءاً من الإمبراطورية الرومانية حتى الهجرات الجرمانية في القرن الخامس الميلادي. عبرَ الفاندال نحو شمال غرب إفريقيا من إيبيريا في العام 429 م، واجتاحوا المنطقة بحلول العام 439 (معركة قرطاج (439م)، وأسسوا مملكتهم الخاصة في شمال إفريقياوغرب المتوسط بما فيها صِقِلّية، وقَرْسَقَة، وسردانية، وجزر البليار. سيطر الفاندال على البلاد كنخبةٍ محاربةٍ، لكنهم واجهوا مقاومةً عنيفةً من البربر المحليين. اضطهد الفاندال -باعتبارهم كانوا من أتباع الآريوسية- كذلك الأفارقة الرومان الخلقيدونيين والبربر. قرب نهاية القرن الخامس تدهورت حالة دولة الفاندال، وتخلت عن معظم الأراضي الداخلية لقبيلة «الماوري»، والقبائل البربرية الأخرى في المنطقة.
في العام 533 م أرسل الإمبراطور جستنيان -مستغلاً النزاع الداخلي لسلالة الفاندال كذريعةٍ- جيشاً تحت قيادة الجنرال «بيليساريوس» لاستعادة إفريقيا. وفي حملةٍ قصيرةٍ تمكن «بيليساريوس» من هزيمة الفاندال، ودخل قرطاجة منتصراً، وأعاد الحكم البيزنطي (الروماني) إلى المقاطعة. نجحت الإدارة البيزنطية في صد هجمات القبائل الصحراوية الأمازيغية، وتمكنت من خلال شبكة تحصيناتٍ واسعة النطاق من بسط نفوذها مرةً أخرى إلى الداخل.
جرى تجميع المقاطعات في شمال غرب إفريقيا جنباً إلى جنبٍ مع الممتلكات البيزنطية في إسبانيا في مقاطعةٍ إمبراطوريةٍ في إفريقيا، وهذه المرة منفصلةً عن «مقاطعة إيطاليا الإمبراطورية»، ونقلها إلى إكسرخسية إفريقيا من قبل الإمبراطور موريس (حكم 582-602). ازدهرت «إكسرخسية»، ومنها انطلق القائد هرقل (حكم 610-641) إلى بيزنطة للإطاحة بالإمبراطور فوكاس (حكم 602-610) في العام 610 م. وقد راودت هرقل لفترةٍ وجيزةٍ فكرة نقل العاصمة الإمبراطورية من القسطنطينية إلى قرطاجة.
بعد العام 640 م تمكنت «إكسرخسية» من صد الفتح الإسلامي، وكانت حربٌ سجالٌ بين كرٍّ وفرٍّ، ولكن في العام 698 م أتم الجيش الأموي المسلم القادم من مصر فتح قرطاجة و«إكسرخسية»، وإنهاء الحكم البيزنطي في شمال غربي إفريقيا.
مفتاح مصطلحات:
تنتمي موريطنية الطنجية إلى «أبرشية إسبانيا» التابعة لمحافظة الغال البريتورية (الإمبراطورية) بدلاً من «أبرشية إفريقيا» ذات التبعية لمحافظة إيطاليا البريتورية، وذلك منذ إصلاحات «دقلديانوس» المناطقية وحتى الغزو الفاندالي، أي في فترة حكم الإمبراطورية الرومانية الغربية بمعنى أوسع.
كان الوجود العسكري الروماني في شمال غرب إفريقيا صغيراً نسبياً، ويتألف من حوالي ثمانيةٍ وعشرين ألف (28,000) جنديٍّ من قواتٍ نظاميةٍ ومساعدةٍ في كلٍّ من نوميديا، والمقاطعتين الموريتانيتين. وابتداءً من القرن الثاني الميلادي كانت هذه الحاميات تُزود بالرجال -في الغالب- من قبل السكان المحليين. نشأ عدد كبير من السكان الناطقين باللاتينية -وكانوا متعددي الجنسيات من ناحية الخلفية [الثقافية]- حيث تشاركوا منطقة شمال غرب إفريقيا مع أولئك الذين يتحدثون اللغات البونية والبربرية. بدأت قوات الأمن الإمبراطوري تتشكل من السكان المحليين بما في ذلك الأمازيغ.
ويقول «جميل أبو النصر» في كتابه «تاريخ المغرب» إن «ما جعل الأمازيغ يقبلون أسلوب الحياة الروماني بسهولةٍ أكبرَ هو أن الرومان -على الرغم من أنهم شعب مستعمر استولى على أراضيهم بقوة الذراع- لم يظهروا أي تفردٍ عرقيٍّ وكانوا متسامحين بشكلٍ ملحوظٍ مع الثقافات الدينية للبربر، سواءً كانت أصليةً أو مستعارةً من القرطاجيين. ومع ذلك فقد اخترقت الثقافة الرومانية الأراضيَ الرومانية في إفريقيا بشكلٍ غير متساوٍ. استمرت جيوب الأمازيغ غير الرومانية في الوجود طيلة الحقبة الرومانية حتى -على سبيل المثال- في الأرياف من المناطق ذات الطابع الروماني العميق في تونس ونوميديا».
مع حلول نهاية الإمبراطورية الرومانية الغربية كانت المنطقة المغاربية كلها تقريباً قد ترَوْمَنَت [بمعنى اصطبغت بالثقافة الرومانية]، ووفقاً لمومسن "Mommsen" في كتابه «مقاطعات الإمبراطورية الرومانية» فقد تمتع الأفارقة الرومان بمستوىً عالٍ من الازدهار. أثر هذا الازدهار و«الرَّوْمَنة» جزئياً حتى على السكان الذين كانوا يعيشون خارج الحدود الرومانية (بشكلٍ رئيسيٍّ الجرامنتيين "Garamantes"، والجيتولي "Getuli") حيث وصلت البعثات الرومانية إلى إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
ويجدر أيضاً ذكر القديس أوغسطينوس (354-430)م أحد أكبر القديسين في التاريخ المسيحي، وكذلك أحد أكبر المؤلفين في اللاهوت المسيحي، وأمه القديسة مونيكا (332-388)م.
| البلد | روما القديمة |
|---|---|
| المنطقة الإدارية | ولاية إيطاليا الامبراطورية |