Logo Logo
جارٍ التحميل...

في مثل هذا اليوم من التاريخ ٢٣ أبريل الأحداث التي وقعت في هذا التاريخ.

صيدا مدينة صيدا تتعرض لهجوم إسرائيلي بالدبابات.

صَيْدَا أو صَيْدَاء مدينة ساحلية تقع شرقي البحر الأبيض المتوسط، ثالث أكبر المدن اللبنانية وفقاً لعدد السكان بعد بيروت وطرابلس، وعاصمة محافظة لبنان الجنوبي، وإحدى أقدم مدن العالم التي ما زالت آهلةً إلى اليوم. تقع صيدا شمال صور بحوالي أربعين كيلومتراً، وجنوبي بيروت -العاصمة اللبنانية- بخمسةٍ وأربعين كيلومتراً. ولا يتطابق موقع صيدا الحالي مع موقع صيدون الكنعانية التي كانت موغلةً إلى الشرق أكثر (يدل على ذلك أنّ معظم الآثار الكنعانية المكتشفة وُجدت في القياعة، والهلالية وأخيراً في تلة شرحبيل بن حسنة في بقسطا شرقي المدينة الحالية)، وبينما انحصرت صيدا ضمن أسوارها حتى أواسط القرن التاسعَ عشرَ فقد أخذت -فيما بعد- بالتوسع نحو الشمال والشرق عبر البساتين التي تغطي سهلها. يبلغ عدد سكانها ما يقارب الـ250 ألف نسمة حسب التقديرات المحلية لغياب الإحصاءات. 84% من السكان مسلمون سُنّة وحوالي 9% مسلمون شيعة وحوالي 6% مسيحيون عرب.
وصيدا مدينة عريقة ذات شهرة تاريخية واسعة، فقد كانت من أقدم دويلات المدن التي أسَّسها على شواطئ البحر المتوسط الكنعانيون (وهم الذين عرفهم الإغريق بالفينيقيّين في هذا السياق)، وبقيت لقرونٍ تتنافس مع صور في دورها كعاصمة سياسيةٍ واقتصاديةٍ للدويلات الكنعانية. تعرَّضتِ المدينة منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد لاجتياحاتٍ عديدةٍ أرهقتها سياسياً واقتصادياً وأدَّت إلى تراجع مكانتها منذ أن غزاها الملك الآشوري تغلث فلاسر الأول، ثم شعوب البحر، فالملك البابلي نبوخذ نصر، ثم الإمبراطور الأخميني الفارسي قمبيز الثاني، ثم الإسكندر الكبير المقدوني، وأخيراً الرومان الذين ورّثوا البيزنطيين، كما تعرَّضت لزلازلَ عدةٍ عبر تاريخها كان لبعضها آثار فادحة. دخل العرب المسلمون صيدا أثناء الفتح الإسلامي لبلاد الشام، وكانت معظم العهد الإسلامي بلدة صغيرة، وشهدت مناوشاتٍ ومعاركَ وانتقالاً للسيادة عدّة مراتٍ فترةَ الحروب الصليبية، وبالرغم من استعادة المماليك لها إلا أنها بقيت معرَّضةً -خاصةً في عهد المماليك البحرية (1250-1383م)- لغاراتٍ من القراصنة الأوروبيين.
لم تستعد صيدا أهميتها السياسية والاقتصادية حتى ضمها الأمير فخر الدين المعني الثاني وشاد بها نهضةً عمرانيةً واقتصاديةً، وغدت -من بعدُ- مركز إيالة صيدا لمدّة قرنٍ تقريباً، قبل أن تنتكس مجدداً بعدما نقل أحمد باشا الجزار مركز الإيالة إلى عكا، وكذلك بسبب زلازلَ عدّة. تردَّت أحوال المدينة بفعل تبعات الحربِ العالميةِ الأولى وآثارها، ثم وقعت تحت الاحتلال الفرنسي لأكثرَ من ربع قرن، ومنذ تلك الفترة توضحت مكانة صيدا كمركزٍ لجنوب لبنان. تعرَّضت المدينة لدمار كبيرٍ بسبب الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان (82-1985)، وعرفت منذ العقد الأخير من القرن العشرين بعد الحرب الأهلية اللبنانية نمواً متسارعاً أدّى إلى تضخمها وتمددها نحو العديد من القرى المجاورة، وتقلّص المساحات الزراعية حولها.
تلعب صيدا دوراً استقطابياً مهماً على مستوى جنوب لبنان، وهي اليوم مركز محافظةِ لبنان الجنوبي ثالثِ محافظات لبنان وفقاً لعدد السكان ويتبعها ثلاثة أقضيةٍ، كما يوفر لها موقعها المتميز أن تكون صلة وصل بين الجنوب وبيروت، وبين الساحل والشوف وجزين. وقد ازدادت أهميتها بعد اكتمال الطريق السريع (الأوتوستراد) الجنوبي، وتتمركز في صيدا الدوائر الرسمية والمتاجر والمصارف والمؤسسات الخدمية والتعليمية والاستشفائية والصناعية الرئيسية، كما يؤمن لها مرفؤها فرصاً إضافيةً وخاصةً بعدما يجري توسيعه. تضم صيدا في ضواحيها مخيّميْن للاجئين الفلسطينيين هما مخيم عين الحلوة (أكبر مخيمٍ في لبنان) ومخيم المية ومية.

أصل التسمية

تختلف المصادر في أصل اسم مدينة «صيدا»، فبعضهم نسبه للجذر السامي «صيد» أي من صيد الأسماك، وهي المهنة التي امتهنها أهل المدينة قديماً لكثرة السمك على شواطئها. وُضِعَت نظريات أخر حول أصل الاسم، يعتقد بعضهم أنه من الجذر اللاتيني واليوناني «صيدون» -الذي يعود للجذر الكنعاني صيد- أو العبراني «صيدو»، واشتهرت المدينة باسم «صيدون العظيمة» في زمن يوشع بن نون. وينسب بعض المؤرخين التسمية لـ«صيدون بن كنعان بن حام بن نوح»، وهناك حكاية تزعم بأن باني المدينة كان الملك الآشوري الأسطوري بيلوس، والذي سمَّاها -حسب الحكاية- تيمّناً بابنته «صيد»، لكن الإغريق حرَّفوا الأسطورة ونسبوها إلى صيدوس بن إيجيبتوس زاعمين أنه من بناها. كما يُقال إن أحد أبناء كنعان ويُدعى «صيدونيوس» هو مؤسِّس المدينة وصاحب الإشادة باسمها.
يقول الإدريسي المؤرخ صاحب كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق:

ويقول جاك نانتي المؤرخ الفرنسي في كتابه «تاريخ لبنان»:

أما القديس أوغسطينوس فيقول:

التاريخ

تعد صيدا -مع جارتها صور- أقوى مدينتين من بين جميع المدن الكنعانية، وقد ازدهرتا منذ العصر البرونزي (3000-1200 ق.م في الشرق الأوسط) وأصبحتا من أهمّ المدن في شرق البحر المتوسط، إذ انطلقت من مدينة صيدا معظم السفن الكنعانية التي جابت هذا البحر ونشرت الثقافة والحضارة الكنعانية في أنحائه، وقد اشتُهِرَت -خصوصاً- بصناعة الصباغ الأرجواني هي وصور. أضحت هذه الصبغة شديدة النّدرة والغلاء حتى أمست علامةً على السلطة الملكية في بلدانٍ قديمةٍ عدة. فيما بعد تدهورت أوضاع المدينة بسبب الغزو المتكرّر لها، فأفل نجمها بعد غزو الإسكندر الكبير في القرن الرابع قبل الميلاد، وأُلْحِقَت بعدئذٍ (مثل سائر المدن الكنعانية المتآكلة) بالإمبراطورية الرومانية، ثم فتحها العرب المسلمون وظلَّت جزءاً من الدول الإسلامية حتى أصبحت مسرحاً للنزاع في الحروب الصليبية، ولو أنها لم تستعد مكانتها من بعد العصور القديمة.

التأسيس والعهد الكنعاني

يعتقد بعض المؤرخين أن صيدا كانت أقدم المدن الكنعانية جميعاً، وهم يختلفون في تاريخ تأسيسها وإعمارها بالضَّبط، إذ يُحدِّده بعضهم بعام 2800 ق.م، لكن الراجح لديهم أنها كانت عامرةً سنة 2500 ق.م، وقد وضعتها اليونسكو في المركز السابع ضمن قائمتها لأقدم عشر مدنٍ في العالم بتاريخ تأسيسٍ مقدرٍ عامَ 4000 ق.م، وتُعد صيدا إحدى أقدم مدن الكنعانيين أو كما دعاهم الإغريق الفينيقيين (بالإنجليزية: phoenicians). وقد شهدت صيدون عهداً من الازدهار والتألق لأكثر من ألفٍ ومئتي عامٍ قبل أن تبدأ بالتدهور قرابة القرن الخامس عشر قبل الميلاد.

نعمت صيدا منذ فجر التاريخ باستقلالها الذاتي إذ حكمها ملوك من أبنائها حكماً وراثياً يؤازرهم مجلس أعيانٍ من مئة عضوٍ كانوا في معظمهم من الطبقة الأرستقراطية الثرية أو ما يُعرف بنظام حكمٍ أوليغاركي، وكان يتزعَّم المجلس والمدينة بأكملها حاكمٌ يُلقب بملك صيدون. وكانت صيدا وقتئذٍ من بين مدنٍ كنعانيةٍ عديدةٍ من دويلات المدن، أي مدنٌ تحكم مستقلّةً -رغم تقاربها الثقافي والحضاري- ولكلٍّ منها حكومة وجيش وإدارة تخصّها، وكانت صيدا الرائدة بين هذه المدن في السياسة كما في الاقتصاد والتجارة عبر البحر المتوسط. ازدهرت صيدا في هذا العهد وشهدت زيادةً في عدد سكانها في القرن العشرين قبل الميلاد، وكان سكانها يدينون بعقيدةٍ وثنيةٍ على غرار دويلات الكنعانيين الأخرى، فكان لكلِّ مدينةٍ من مدنهم إلهٌ تختصّ به، وكان إلهُ مدينة صيدا إشمون وهو إله الشفاء والمداواة، كما عبدوا إلى جانبه الآلهة الكنعانية الكبرى مثل بعل وإيل. وكانت لغة المدينة هي الكنعانية التي انتشرت أبجديتها لاحقاً إلى لغاتٍ كثيرةٍ عبر العالم من ضمنها العربية والأبجديات اللاتينية. ازدهرت صيدا اقتصادياً وجنت أرباحاً كبيرةً من التجارة بمصنوعاتٍ عديدةٍ من ضمنها الصبغ الأرجواني الشهير إضافةً إلى المصنوعات الزجاجية والتعدين وبناء السفن، كما كانت تُصدِّر خمراً مشهوراً، وعُرفت بصناعاتٍ حرفيةٍ متنوّعةٍ منها نسج الصوف والكتان، والنقش، وصب الذهب والفضة، وصنع الأسلحة، ومنحوتات حفر العاج، وكان أهلها يجيدون الحراثة بالآلات وتبليط الطرق.
إلا أن مصدر الدخل الأساسي الآخر للمدينة -عدا التجارة- كان الاستيطان، فقد أسس الصيدونيّون المستوطنات التجارية في أرخبيل بحر إيجة (البيلوبونيز) وعلى ساحل المورة وكانوا هم من أسسوا مدينة طيبة الإغريقية في المورة، وتسلطوا على سكان الإقليم بما فيهم قوم جزيرة إقريطش، وعقد هؤلاء الكريتيون حلفاً مع بعض الكيانات المجاورة كاليونان وإيطاليا، وتعلّموا الملاحة وأتقنوها وشنوا حرباً على الصيدونيين حتى أجلوهم عن جزرهم.
وخضعت صيدا بعد ذلك -مع بلاد الشام جميعاً- للفرعون المصري تحوتمس الثالث (1479–1425 ق.م) من الأسرة الثامنة عشر، ودام الوجود المصري قرابة قرنٍ إذ يروي التاريخ أن زميردا ملك صيدون متحالفاً مع الحثيين ثار سنة 1354 ق.م على المصريين مستغلاً ضعفهم وحرر صور منهم، وعادت المدن الكنعانية لتنال استقلالها مجدداً.

تلا ذلك اجتياح يوشع بن نون بلاد الكنعانيين الجنوبية (فلسطين) فطرد كثيراً من أهلها مانحاً أراضيهم لشعبه، ودمر ما يقرب من إحدى وثلاثين مملكةً صغيرةً من دويلات المدن، فساء ذلك صيدا لأن هذه الممالك كانت مصدر ثروةٍ لها بفعل المبادلات التجارية، فكانت صيدا تستورد منها المحاصيل لاستهلاكها أو لإعادة تصديرها، فضلاً عن هجرة قبائل الفلستيين واستقرارها في صيدا وجوارها، والذي أتى عقب التدمير العنيف الذي اجتاح شرق المتوسط والناجم عن غزو أخلاطٍ من أقوام أطلق عليهم «شعوب البحر» منهم «البلست» أو «الفلستيون» (الذين منحوا فلسطين اسمها بعدئذ) نحو 1300-1200 ق.م ليضع حدّاً لتألقها وتفوقها على جيرانها. وهو الذي ألحق ضرراً بالغاً بالمدن الكنعانية والحوض الشرقي للمتوسط بعامةٍ، وأودى نهائياً بمدينة أوغاريت. من بعد هذا الغزو أخذت مكانة صور تترسخ حتى تزعمت المدن الكنعانية ودانت لها صيدا ذاتها سياسياً، ويعتقد أن الصيدونيين حاولوا تدعيم مركزهم بكسب ودّ سليمان بن داود وتزويده بما يلزم لبناء هيكله وأسطوله في البحر الأحمر، لكن صور حافظت على مكانتها إلى أوان الغزو الآشوري، الذي كان فاتحة عودة نفوذ صيدا مجدداً.

صيدا
صيدا
البلد لبنان, الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان, لوردية صيدا, الإمبراطورية الرومانية
المنطقة الإدارية قضاء صيدا, فينيقيا
نوع الحدث حصار صيدا