فلسطين الانتدابية أو الانتداب البريطاني على فلسطين أو الاحتلال البريطاني لفلسطين هو كيان جيوسياسي سابق نشأ في منطقة فلسطين عام 1920 وضُمَّت إليها شرق الأردن عام 1921 قبل أن تُفصل عنها مجدّدا بعد سنتين عام 1923. واستمر هذا الكيان لما يزيد عن عقدين ونصف (1920-1948)، وذلك ضمن الحدود التي قررتها بريطانيا وفرنسا بعد سقوط الدولة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى وبموجب معاهدة سيفر.
في 11 سبتمبر 1922 أقرّت عصبة الأمم الإنتداب رسميا، وذلك بإصدار صك يعهد بإدارة فلسطين لبريطانيا، وذلك بناء على إتفاق دول الحلفاء على تنفيذ تصريح ملكي بريطاني صدر عام 1917 والمعروف باسم وعد بلفور، وورد في أكثر من موضع في إعلان عصبة الأمم تأكيد على عدم الإتيان بعمل من شانه أن الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للسكان الأصليين لفلسطين وصيانة حقوقهم عطفا على تشجيع التعاون مع الجمعية الصهيونية لتسهيل هجرة اليهود لفلسطين واكساب الجنسية الفلسطينية لأولئك المهاجرين، ضمانا لإنشاء وطن قومي يهودي لهم، بحسب نص القرار. عرّف القرار منطقة الإنتداب على فلسطين شاملاً معها شرق الأردن، إلا أن المادة 25 منه سمحت بإرجاء أو توقف تطبيق النصوص عليها، وفعلا تم استثنائها من الانتداب في عام 1921 طبقا لمذكرة شرق الأردن، فتمتعت إمارة شرق الأردن بحكم ذاتي ولم تخضع لمبادئ الإنتداب أو لوعد بلفور. إستقلت إمارة شرق الأردن عن سلطة بريطانيا عام 1946 لتصبح المملكة الأردنية، وبالتالي إستثنيت بحكم الواقع من حدود الإنتداب على فلسطين، فبقي الإنتداب على فلسطين بين نهر الأردن والمتوسط حتى نهاية الإنتداب عام 1948، وتلك هي حدود فلسطين التي تقع فيها اليوم كل من دولة إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة.
كانت مدينة القدس عاصمة الانتداب حيث سكن الحاكم البريطاني ومؤسسات حكومة الانتداب. عند بداية فترة الانتداب أعلنت بريطانيا هدفا له تحقيق وعد بلفور، أي فتح الباب أمام اليهود الراغبين في الهجرة إلى فلسطين وإقامة «بيت وطني» يهودي فيها. أما في منتصف ثلاثينات القرن العشرين فغيرت بريطانيا سياستها وحاولت وقف توافد اليهود على فلسطين ومنع شراء الأراضي من قبل اليهود.
كان الاسم الذي أُطلق على أراضي الانتداب هو "فلسطين" وفقًا للاستخدام المحلي العربي الفلسطيني والعثماني والتقاليد الأوروبية
نصت وثيقة الانتداب على أن فلسطين الانتدابية سيكون لها ثلاث لغات رسمية : الإنجليزية والعربية والعبرية.
في عام 1926 قررت السلطات البريطانية رسميًا استخدام المعادل العربي التقليدي للاسم الإنجليزي ونسخته العبرية أي فلسطين (فلسطين) و فلسطين (فلشتينا) على التوالي. اقترحت القيادة اليهودية أن يكون الاسم العبري الصحيح هو إسرائيل(أرز يشرفال أرض إسرائيل ). كان الحل الوسط النهائي هو إضافة الأحرف الأولى من الاسم العبري المقترح، ألف - يود بين قوسين (أي) بعد كلمة فلسطين كلما ذكر اسم الانتداب باللغة العبرية في الوثائق الرسمية. وقد اعتبرت القيادة العربية هذه التسوية انتهاكا لبنود الانتداب. اقترح بعض السياسيين العرب " جنوب سوريا " (سوريا الجنوبية) كاسم عربي بدلاً من ذلك. رفضت السلطات البريطانية هذا الاقتراح وفقًا لمحاضر الدورة التاسعة للجنة الانتدابات الدائمة التابعة لعصبة الأمم :
وأوضح العقيد سايمز أن البلاد وصفت بأنها "فلسطين" من قبل الأوروبيين وبأنها "فلسطين"من قِبل العرب. كان الاسم العبري للبلاد هو "أرض إسرائيل"، وقد وافقت الحكومة، تلبيةً لرغبات اليهود، على أن تُتبع كلمة "فلسطين" بالأحرف العبرية في جميع الوثائق الرسمية بالأحرف الأولى التي تُشير إلى هذا الاسم. واستطرادًا، اقترح بعض السياسيين العرب تسمية البلاد "سوريا الجنوبية" للتأكيد على صلتها الوثيقة بدولة عربية أخرى
تشير صفة " إلزامي" إلى أن الوضع القانوني للكيان مشتق من تفويض عصبة الأمم ولا علاقة لها بالاستخدام الأكثر شيوعًا للكلمة كمرادف لكلمة "إلزامي" أو "ضروري".
في عام 1917 احتلت القوات البريطانية القادمة من مصر القسم الجنوبي من فلسطين من الدولة العثمانية، وفرضت عليها حكماً عسكرياً. في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1917 دخل قائد القوات البريطانية الجنرال إدموند ألنبي مدينة القدس من باب يافا. أثار ذلك مشاعر الابتهاج في أوروبا وأمريكا إذ وقعت القدس لأول مرةٍ تحت سيطرة الأوروبيين منذ أكتوبر/تشرين الأول 1187 بعد تحريرها من الصليبيين على يد صلاح الدين الأيوبي. كانت بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية قد اتفقت على تقسيم بلاد الشام بينها في اتفاقية سايكس-بيكو السرية في 16 مايو/أيار 1916 بين الأطراف الثلاثة. جرى الاتفاق على أن تكون منطقة فلسطين (من بئر السبع جنوباً إلى عكا شمالاً تقريباً) منطقةً دوليةً مراعاةً لروسيا، ولكن بعد انتهاء الحرب عَدَلَتْ بريطانيا عن هذا البند من الاتفاقية فقد أرادت إنشاء معبرٍ أرضيٍّ متصلٍ بين الخليج العربي وميناء حيفا، فضلاً عن هدفها تأسيسَ دولةٍ صهيونيةٍ في فلسطين.
في أبريل/نيسان 1920 اجتمع مندوبو «دول الاتفاق» (أي فرنسا وبريطانيا بعد خروج روسيا منه) المنتصرة في الحرب العالمية الأولى في مدينة سان ريمو الإيطالية فيما سُمّيَ مؤتمر سان ريمو لتعديل اتفاقية سايكس-بيكو وتقرير الشكل النهائي لتقسيم الأراضي التي احْتُلت من الدولة العثمانية. في هذا المؤتمر اتفق الطرفان على منح فلسطين لبريطانيا وتعديل المتفق عليه سابقاً.
كان التعامل التجاري يتم بالجنيه المصري في بداية الانتداب، لكن سُرعان ما تم تشكيلُ مجلسٍ يقوم بدور مصرفٍ مركزي لإصدار العملة المحلية سُمّي بمجلس فلسطين للنقد، والذي بدوره قام بإصدار أول عملةٍ فلسطينيةٍ عام 1927 وهي الجنيه الفلسطيني.
أصرّت الحكومة البريطانية (وكان ونستون تشرشل فيها وزيراً للمستعمرات) على عصبة الأمم على إدراج تصريح بلفور في صك الانتداب على فلسطين لتصبحَ السياسةُ البريطانيةُ في فلسطين الداعمةُ للهجرةِ اليهوديةِ تحت غطاءٍ دولي، وعيّنت أول مندوبٍ سامٍ لها هربرت صموئيل الوزير البريطاني السابق واليهودي الذي دخل ابنه القدس متطوعاً مع الفيلق اليهودي في حملة الجنرال اللنبي. لاحظ رونالد ستورس أولُ حاكمٍ للقدسِ (ما بين 17-1926) هذا التحيز الواضح وكتب في مذكراته:
«لقد خرقت الإدارة العسكرية مبدأ «الوضع الراهن» في المسألة الصهيونية. كانت فلسطين ولاية تابعة للدولة العثمانية المسلمة وكانت غالبية سكانها من العرب، وفي ظل سياسة «الوضع الراهن» كان علينا -بل كنا نتلقى تعليماتٍ- أن نقول للراغبين في إدخال تغييراتٍ سريعةٍ إننا مجرد «إدارةٍ عسكريةٍ» ولسنا منظمين مدنيين، وكان علينا أن ندير البلاد كما نفعل في مصر أو غيرها من البلاد ذات الأقليات المهمة مستخدمين الإنجليزية كلغةٍ رسميةٍ وتقديم ترجمةٍ عربيةٍ مع معاملة المقيمين اليهود والأوربيين والأرمن وغيرهم على النحو الذي نعاملهم به في مصر.
كان موقف «إدارة أراضي العدو المحتلة» مختلفاً تماماً عن هذا المفهوم، فقد طُبع الإعلان الأول للجنرال اللنبي بالإنجليزية والعبرية والعربية، وكذلك الأوامر الصادرة مني، واستخدمتْ العبرية في لافتات الإدارة الحكومية، ومالبثت أن أضيفت على عجلٍ على إيصالات البلدية والإيصالات الرسمية الأخرى، وقمنا بتعيين موظفين ومترجمين يهود في مكاتبنا. وقد واجهت «إدارة أراضي العدو المحتلة» نقداً شديداً على هذا الخرق الواضح للوضع الراهن داخل وخارج فلسطين... رغم أن عصبة الأمم لم تكن قد أنشئت، ولم يكن نظام الانتداب قد أقيم حتى يكون هدف الحكومة متطابقاً مع هدف الصهيونية».
وبعد وصول البريطانيين أنشأ السكان العرب جمعيات إسلامية مسيحية في جميع المدن الكبرى. وفي عام 1919 انضموا إلى عقد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس. كان الهدف الأساسي من ذلك هو إقامة حكومة تمثيلية ومعارضة إعلان بلفور. وفي الوقت نفسه تشكلت اللجنة الصهيونية في مارس/آذار 1918 وعملت بشكل نشط على تعزيز الأهداف الصهيونية في فلسطين. في 19 أبريل 1920 جرت انتخابات مجلس ممثلي الجالية اليهودية الفلسطينية.
في إبريل/نيسان 1920 أدت أعمال الشغب في القدس إلى مقتل خمسة يهود وأربعة عرب.
في يوليو 1920 حلت إدارة مدنية بريطانية برئاسة المفوض السامي محل الإدارة العسكرية. وصل المفوض السامي الأول السير هربرت صموئيل الصهيوني ووزير الحكومة البريطانية الحديث إلى فلسطين في 20 يونيو/حزيران 1920 لتولي منصبه اعتباراً من الأول من يوليو/تموز. أنشأ صموئيل مقره الرئيسي وإقامته الرسمية في جزء من مجمع مستشفى أوغستا فيكتوريا على جبل المشارف في ما كان يُعرف آنذاك بالطرف الشمالي الشرقي للقدس وهو مبنى تم بناؤه للألمان حوالي عام 1910. تضرر هذا المبنى بسبب زلزال في عام 1927 وكان بمثابة المقر والمقر الرسمي للمفوضين السامين البريطانيين حتى عام 1933. في ذلك العام قاموا بالانتهاء من بناء مقر جديد ومقر إقامة رسمي للمفوض السامي على ما كان يُعرف آنذاك بالطرف الجنوبي الشرقي لمدينة القدس. يُشار إلى هذا المبنى الذي يقع على "تلة المشورة الشريرة" على سلسلة جبال المكبر باسم أرمون هانتسيف من قبل السكان اليهود وظل قيد الاستخدام كمقر ومقر إقامة رسمي للمفوضين السامين البريطانيين حتى نهاية الحكم البريطاني في عام 1948.
كان أحد الإجراءات الأولى التي اتخذتها الإدارة المدنية الجديدة هو البدء في منح التنازلات من الحكومة الانتدابية بشأن الأصول الاقتصادية الرئيسية. في عام 1921 منحت الحكومة بينهاس روتنبرغ رجل الأعمال اليهودي امتيازات لإنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية. وسرعان ما أنشأ روتنبرغ شركة كهربائية كان المساهمون فيها منظمات صهيونية ومستثمرين وفاعلي خير. ورأى العرب الفلسطينيون في ذلك دليلاً على أن البريطانيين ينوون تفضيل الصهيونية. وزعمت الإدارة البريطانية أن الكهرباء من شأنها أن تعزز التنمية الاقتصادية للبلاد ككل وفي الوقت نفسه تضمن التزامها بتسهيل إقامة وطن قومي يهودي من خلال التنمية الاقتصادية. بدلا من السياسية يعني.
حاول المفوض السامي صموئيل إنشاء مؤسسات للحكم الذاتي في فلسطين كما هو مطلوب بموجب الانتداب لكن القيادة العربية رفضت التعاون مع أي مؤسسة تتضمن مشاركة يهودية. وعندما توفي كامل الحسيني مفتي القدس في مارس/آذار 1921 عيّن المندوب السامي صموئيل أخاه غير الشقيق محمد أمين الحسيني في المنصب. أمين الحسيني أحد أفراد عشيرة الحسيني في القدس كان قومياً عربياً وزعيماً مسلماً. وباعتباره المفتي العام وكذلك في المناصب المؤثرة الأخرى التي شغلها خلال هذه الفترة لعب الحسيني دوراً رئيسياً في المعارضة العنيفة للصهيونية. وفي عام 1922 انتخب الحسيني رئيسًا للمجلس الإسلامي الأعلى الذي أنشأه صموئيل في ديسمبر 1921. كان المجلس يسيطر على أموال الأوقاف والتي تبلغ قيمتها سنويًا عشرات الآلاف من الجنيهات وأموال الأيتام والتي تبلغ قيمتها سنويًا حوالي 50 ألف جنيه إسترليني مقارنة بـ 600 ألف جنيه إسترليني في الميزانية السنوية للوكالة اليهودية. بالإضافة إلى ذلك كان يسيطر على المحاكم الإسلامية في فلسطين. ومن بين الوظائف الأخرى كانت لهذه المحاكم سلطة تعيين المعلمين والوعاظ.
أنشأ أمر المجلس الفلسطيني لعام 1922 مجلسًا تشريعيًا وكان من المقرر أن يتكون من 23 عضوًا : 12 منتخبًا و10 معينين والمفوض السامي. ومن بين الأعضاء المنتخبين الاثني عشر كان من المقرر أن يكون ثمانية منهم من العرب المسلمين واثنين من العرب المسيحيين واثنين من اليهود. احتج العرب على توزيع المقاعد زاعمين أنه بما أنهم يشكلون 88% من السكان فإن حصولهم على 43% فقط من المقاعد أمر غير عادل. أجريت الانتخابات في شهري فبراير ومارس 1923 ولكن بسبب المقاطعة العربية إلغي النتائج وقاموا بإنشاء مجلس استشاري مكون من 12 عضوًا.
في المؤتمر العالمي الأول للنساء اليهوديات الذي عقد في فيينا النمسا عام 1923 تقرر أنه: "يبدو ثم أن من واجب جميع اليهود التعاون في إعادة بناء فلسطين اجتماعيًا واقتصاديًا والمساعدة في توطين اليهود في ذلك البلد".
في أكتوبر 1923 قدمت بريطانيا إلى عصبة الأمم تقريراً عن إدارة فلسطين للفترة 1920-1922 والذي غطى الفترة التي سبقت الانتداب.
في أغسطس 1929 اندلعت أعمال شغب أدت إلى مقتل 250 شخصًا.
| البلد | الإمبراطورية البريطانية |
|---|---|
| المنطقة الإدارية | المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا, المملكة المتحدة |
| مكان وقوع الحدث | فلسطين |