الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية (بالفرنسية: Empire colonial français) هي مجموعة من المناطق التي خضعت للحكم الفرنسي خارج أوروبا منذ مطلع القرن السابع عشر (1600) حتى أواخر العقد الثامن من القرن العشرين (1980). وكانت إمبراطورية مسيطرة في العالم، وكانت تمتلك عدة مستعمرات في مواقع مختلفة حول العالم. كانت فرنسا، في القرنين التاسع عشر والعشرين، ثاني أكبر سلطة في العالم بعد الإمبراطورية البريطانية. امتدت الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية الثانية لمساحة 12,347,000 كم² من الأراضي في أقصى اتساعها عند بدايات القرن العشرين. فالأراضي التي خضعت لحكم الإمبراطوري، بما فيها فرنسا البلد الأم، وصلت 12,898,000 كم² بين عامي 1920 و 1930. وهذا يساوي 8,6% من مساحة أراضي الكرة الأرضية[ ؟ ]. وتعد الإمبراطورية الفرنسية الثانية حجماً من حيث المساحة بعد الإمبراطورية البريطانية، إذ بلغت مساحتها 13,000,000 كم في ذروة توسعها في مطلع القرن العشرين.
بدأت فرنسا في تأسيس مستعمرات في أمريكا الشمالية والكاريبي والهند، مقتفيةً نجاحات الإمبراطوريتين الإسبانية والإمبراطورية البرتغالية أثناء عصر الاستكشافات، في تنافس مع بريطانيا للسيادة. وقد أدت سلسلة من الحروب مع بريطانيا في القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر، والتي خسرتها فرنسا، إلى انتهاء طموحاتها الاستعمارية في تلك القارات، ومعها انتهت ما سماه بعض المؤرخين الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية «الأولى». وفي القرن التاسع عشر، أسست فرنسا إمبراطورية جديدة في أفريقيا وجنوب شرق آسيا، والتي ظلت متماسكة بالرغم من غزو فرنسا من قِبل ألمانيا النازية أثناء الحرب العالمية الثانية. بعد الحرب، بدأت الحركات المناهضة للاستعمار في تحدي السلطات الفرنسية، وقد حاربت فرنسا بدون نجاح حروباً مريرة في عقد 1950 ومطلع عقد 1960 في الفيتنام والجزائر تشبثاً بالإمبراطورية.
وبنهاية سنة 1962، كانت معظم مستعمرات فرنسا قد حصلت على استقلالها، ما عدا بعض الجزر والأرخبيل الموجودين في شمال الأطلسي، والبحر الكريبي، والمحيط الهندي، وشمال وجنوب المحيط الهادي، المحيط المتجمد الجنوبي، بالإضافة إلى أرض يابسة في أمريكا الجنوبية، تشكل مع بعضها مساحة 123,150 كم² أي ما يساوي 1% من مساحة الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية قبل 1939، ويعيش فيها حوالي 2,564,000 نسمة في إحصائيات 2007. جميعهم يتمتعون بتمثيل سياسي كامل على المستوى الوطني، وبدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي التشريعي.
لم يقتصر التوسع الاستعماري الفرنسي على العالم الجديد فقط.
مع انتهاء حروب فرنسا الدينية، دعم الملك هنري الرابع العديد من الشركات التي أقيمت لغاية تطوير التجارة مع الأراضي الفرنسية البعيدة. في شهر ديسمبر 1600، أُسست شركة جديدة من خلال اتحاد سان مالو مع لافال وفيتري للتعاون بالتجارة مع جزر الملوك واليابان. انطلقت في شهر مايو من عام 1601 سفينتان، حملتا اسم كرواسان وكوربين، حول رأس الرجاء الصالح. تحطمت إحدى السفينتين في المالديف، وألقى سكان هذه الجزر القبض على فرانسوا بيرار دي لافال، وبقي سجينهم لخمس سنوات، إلى أن تمكن من العودة إلى فرنسا في عام 1611. وصلت السفينة الثانية التي تحمل فرانسوا مارتي دي فيتريه إلى سيلان (مجموعة الجزر التي تعرف اليوم باسم سريلانكا) وتبادلت البضائع مع سلطنة آتشيه في سومطرة، إلا أن الهولنديين استولوا عليها خلال رحلة عودتها إلى خليج فينيستر. كان فرانسوا مراتين دي فيتريه أول فرنسي يكتب سردًا للأسفار إلى الشرق الأقصى في عام 1604، وذلك بناءً على طلب الملك هنري الرابع، ونُشرت بعد ذلك العديد من التقارير حول أسفار الأوروبيين عبر القارة الآسيوية.
من عام 1604 وحتى 1609، وبعد عودة فرانسوا مارتن دي فيتريه، زاد حماس الملك هنري الرابع للتوجه إلى القارة الآسيوية، وعمل على تأسيس شركة الهند الشرقية الفرنسية على غرار إنجلترا وهولندا. في 1 يونيو 1604، أصدر الملك هنري الرابع خطابات تفويض ملكية لتجاربلدية دييب لتأسيس شركة دييب، ومنحَهم حقوقًا حصريًا للتجارة الآسيوية مدتها 15 عامًا. مع ذلك، لم ترسل أي سفن باتجاه آسيا حتى عام 1616. في عام 1609، عاد رحالة آخر، بيير أوليفييه مالهيرب، من رحلة حول الكرة الأرضية، وأبلغ الملك هنري عن مغامراته، وزياراته لكل من الصين والهند التي اجتمع فيها مع ثالث سلاطين دولة المغول الهندية، جلال الدين محمد أكبر.
في السنغال غربي أفريقيا، شرع الفرنسيون، في عام 1624، بإنشاء مراكز تجارية على طول ساحل المحيط الأطلسي.
في عام 1664، أُسست شركة الهند الشرقية الفرنسية للمنافسة على التجارة في الشرق.
أنشئت مستعمرات في الهند في كل من شاندرناغور (1673)، وبونديشيري في الجنوب الشرقي (1674)، ولاحقًا في يانام (1723)، وماهي في عام (1725)، وكاريكال في عام (1739). أشئت أيضًا مستعمرات المحيط الهندي في إيل دو بوربون (لاريونيون، في عام 1664)، وجزيرة دو فرانس (موريشيوس، في عام 1718)، وسيشل (1756).
في منتصف القرن الثامن عشر، بدأت سلسلة من الصراعات الاستعمارية بين بريطانيا وفرنسا، تسببت في نهاية المطاف بتدمير معظم المستعمرات التابعة الإمبراطورية الفرنسية الأولى، وطرد شبه كامل لفرنسا من القارتين الأمريكيتين. تضمنت هذه الصراعات حرب الخلافة النمساوية (1740-1748)، وحرب السنوات السبع (1756-1763)، والثورة الأمريكية (1775-1783)، وحروب الثورة الفرنسية (1793-1802)، والحروب النابليونية (1803-1815)، ويمكن أيضًا ضم الحروب الفرنسية والهندية إلى هذه الصراعات. يُطلق أحيانًا على سلسلة الصراعات هذه اسم حرب المئة عام الثانية.
لم تكن حرب الخلافة النمساوية حاسمة –مع نجاح فرنسا في الهند بقيادة الحاكم العام جوزيف فرانسوا دوبلكس، وانتصارها في أوروبا بقيادة المارشال ساكس- أما حرب السنوات السبع، التي تمكنت فرنسا من تحقيق عدة انتصارات في بداياتها في كل من مينوركا وأمريكا الشمالية، فقد شهدت هزيمة فرنسية، ويعود ذلك إلى تفوق البريطانيين من حيث العدد (أكثر من مليون بريطاني مقابل 50 ألف مستوطن فرنسي)، ليس فقط جميع مناطق فرنسا الجديدة (باستثناء جزر سان بيير وميكلون الصغيرة)، وإنما في معظم المستعمرات الفرنسية الهندية الغربية (الكاريبية)، وفي جميع البؤر الاستيطانية الهندية الفرنسية.
شهدت الفترة اللاحقة لتوقيع معاهدة السلام إعادة للبؤر الاستيطانية في فرنسا وجزر الكاريبي وجوادلوب للسيطرة الفرنسية، وتمكن البريطانيون من فرض نفوذهم على الهند، وخسرت فرنسا معظم أمريكا الشمالية، إذ استولت بريطانيا على معظم أراضي فرنسا الجديدة (التي يشار إليها أيضًا باسم أمريكا الشمالية البريطانية)، باستثناء لويزيانا التي تنازلت عنها فرنسا لصالح إسبانيا مقابل دخول إسبانيا للحرب، وكتعويض عن ضم بريطانيا لفلوريدا الإسبانية. تنازلت فرنسا أيضًا عن غرينادا وسانت لوسيا في جزر الهند الغربية لصالح البريطانيين. ندم الفرنسيون على خسارة كندا لعدة أجيال قادمة، إلا أنهم كانوا ينظرون إلى الاستعمار حينها على أنه موضوع غير مهم بالنسبة لفرنسا وغير أخلاقي.
انتعشت الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية بعض الشيء أثناء التدخل الفرنسي بحرب الاستقلال الأمريكية، مع عودة سانت لوسيا إلى فرنسا بموجب معاهدة باريس لعام 1783، إلا أن هذا الانتعاش لم يكن بالجحم الذي كان يأمله الفرنسيون عند تدخلهم بالحرب. وقعت الكارثة الحقيقية بما تبقى من الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية في عام 1791، عندما تمزقت سانت دومينغو (الثلث الغربي من جزيرة هيسبانيولا الكاريبية)، أغنى وأهم المستعمرات الفرنسية، جراء تمرد العبيد الذي نتج جزئيًا عن وقوع انقسامات بين نخبة سكان الجزيرة التي ظهرت بعد اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789.
تمكن العبيد، بقيادة توسان لوفرتور (وتحت قيادة جان جاك ديسالين بعد أن أسر الفرنسيون لوفرتور في عام 1801) من الصمود في وجه خصومهم من الفرنسيين والبريطانيين. أطلق الفرنسيون حملة استكشافية فاشلة في عام 1802، وواجهوا حصارًا بحريًا ملكيًا معوقًا في العام التالي، ونتيجة لذلك، تمكنت إمبراطورية هايتي من إعلان استقلالها في عام 1804، وأضحت بذلك أول جمهورية سوداء في العالم، تلتها ليبيريا في عام 1847. تراجع عدد السكان السود والمولاتو في جزيرة هيسبانيولا (بما في ذلك الشرق الإسباني) من 700 ألف في عام 1789 إلى 351,819 في عام 1804. لقي حوالي 80 ألف هاييتي حتفهم في حملة عامي 1802-1803 وحدها. بالمقابل، لقي 45 ألف جندي فرنسين بينهم 18 جنرال، إضافة إلى 10 آلاف بحار، حتفهم في نفس الحملة، ويعود سبب وفاة الغالبية العظمى منهم إلى إصابتهم بالمرض. دون الكابتن سوريل (اسمه الأول غير معروف) من البحرية البريطانية ما يلي: «خسرت فرنسا هناك واحدًا من أفضل الجيوش التي أرسلتها على الإطلاق، جيشًا يضم قدامى المحاربين المنتقين بعناية، إضافة إلى غزاة إيطاليا وجحافل الجيوش الألمانية. حُرمت فرنسا اليوم تمامًا من سلطتها ونفوذها في جزر الهند الغربية».
في غضون ذلك، أدت الحرب الفرنسية المستأنفة حديثًا مع بريطانيا إلى استيلاء بريطانيا على جميع المستعمرات الفرنسية التي كانت ما تزال تحت السيطرة الفرنسية تقريبًا. استعاد الفرنسيون هذه المستعمرات مع توقيع معاهدة أميان في عام 1802، لكن سرعان ما استعادها البريطانيون مع استئناف الحرب في عام 1803. لم تستفد فرنسا من إعادة شراء لوزيانا في عام 1800، إذ آمن نابليون، بعد نجاح الثورة الهاييتية، بأن الفائدة المرجوة من الاحتفاظ بلويزيانا لا تستحق المخاطرة، فما كان من فرنسا إلا أن باعتها للولايات المتحدة في عام 1803. لم تنجح المحاولات الفرنسية الهادفة لتأسيس مستعمرة في مصر بين عامي 1798-1801. خسرت فرنسا في حملتها على مصر ما لا يقل عن 15 ألف قتيل، و8500 سجين؛ وخسرت بالمجمل 50 ألف قتيل أو جريح، و15 ألف سجين في سجون تركيا ومصر والأراضي العثمانية الأخرى وبريطانيا.
| البلد | فرنسا |
|---|